الأربعاء، 1 فبراير 2012

مقال / عنترة و ديار ليلى


هل نحن بحاجة إلى تكافؤ بين الفرص المُتاحة و حجم الطاقات البشرية ؟ قد يبدو السؤال بلا معنى ، إلا أن له داعيًا مهمًا ، ففي بعض المجتمعات ترى التخطيط للمشروعات الشبابية يجري على قدم و ساق ابتداءً من دعم المؤسسات الحكومية و الخاصة إلى دعم شخصيات فاعلة من ذوي النفوذ و التأثير على الرأي العام ، و في النهاية تجد أن النتيجة لا تتعدى ما خططت له أن يكون في أسوأ حالات النجاح لهذا المشروع .

في مجتمعات أخرى لا تتكلّف الهيئات الكبرى في الدولة عناء التخطيط لمشروعات كهذه ؛ ربما ليس كسلاً و تقاعساً فحسب ، لعل في ذلك حسابات أخرى للدور الثقافي التوعوي لهذه المشروعات و التي قد تكلف الدولة ثمناً غالياً فيما إذا ظهر لها أثر لاحقاً في تنوير الفئة الفاعلة في المجتمع حول الخيوط الخفية للعبة السياسية المحبوكة بدقة .

بالرغم من هذه المساعي لتكميم الأفواه و زرع ثقافة الخوف من الـ(اللا شيء) لأن لا قاعدة تحكم مطاردة المثقفين و إسكاتهم طوعاً أو كرهاً ، صرنا نشهد ارتفاع الأصوات من تلك المجتمعات أكثر من غيرها ؛ لسبب بديهي بسيط و هو أن الدافعية لا تنبثق إلا من الحرمان ، مثلما أن الرواء ليس له طعم إلا بعد العطش !

في الوقت الذي تشهد فيه المجتمعات الخليجية ظهور أصحاب نتاجات إبداعية في الإعلام و الأدب و السياسة و كل منهم يخرج من قصره العاجي خائفاً يترقب ، و بين ما يؤمن به و ما يعايشه مساحة اغتراب تشوّه الفكرة بحيث لا تظهر كما أرادها صاحبها أن تكون و لا كما أرادها المجتمع النمطي ، تشهد المجتمعات العربية الأخرى التي تحررت لتوها من أغلال الأسر الحاكمة عودةً للإبداع المنبثق من رحم المعاناة ، يعود المصريون و السوريون و المغاربة أخيراً إلى ما كان عليه العقّاد و المنفلوطي و عمر أبو ريشة من حرية قلم و فكر .

في مجتمعاتنا – الخليجية – أشباح لمفاهيم نعرفها و لا نتقن التعبير عنها ، و مفاهيم أخرى نتقن التشدّق بها دون أن نعرفها ، نستل سيف عنترة لقطع رأس قيس بن الملوّح كلما لمحنا له ظلاً – قد يكون طرفاً لإدانته – في قضايا ديار ليلى !

فاطمة إحسان اللواتي
* نشرت في جريدة ( الراي ) الكويتية


آيلول آخر .. يحترق






أيْلُول ..

تأتِي بلا نِدَاءٍ

كقصَائِد الخريفِ

تَندَسُ فِي صَوتِ الرّيح

لِتُراقِصَ الشجَر

فِي نوْبَة جُنونٍ

عَاريَةٍ كالمَواسِم

***

أيْلُول ..

أبْحَثُ عَن خريفٍ

يَليقُ برَصَاصَةِ فرَحٍ

أبعَثهَا هَديّة للشتاءِ القادِم

عَن وَاجهَة سِرّيَةٍ

للأحزانِ المَعروضة للإيجَار

القابلَة للاسْترجاعِ و الاستبْدَال

عَن مَطرٍ لا يُبللنِي

و قصَائِدَ أكتُبُهَا و لا تُشعلنِي

مُنذُ أوّل تنهِيدَة

***

أيْلُول ..

تأتِي مُباغِتاً

رُغم دِقة التّوقيت

تَحترفُ مُراوغة تفاصِيل المَوعِد

عَلى مِسَاحات الوَرَق الأصْفر

المُتناثِر فِي مَهَبّ الحَنِين

كَم سَيلزمُ الحُزن مِن الأناقة

لَيَمشي فِي مَوكِب مَيلادِك

كَبقيّة الحَيَارى الآمِلين ؟

***

فِي مَطلعِ كُل عَامٍ أحصِي غنائِمي و هَزائِمي

فِي عُمر مِن وَرَق

و حِين تأتِي ..

أتأمّلُ فوضى الأيّامِ حَولِي

أُشعِلُ طرَف الوَرَقة الأخيْرَة

و أبكِي ..

لأنكَ بَدأتَ تَحترِق !


فاطمة إحسان اللواتي

الثلاثاء، 18 أكتوبر 2011

خرساء إلا ربعاً


الشاشات المضيئة تعلن عن الرّحلات المغادرة و القادمة ، حقائب المسافرين تنزلق مسرعة كحزمٍ ضوئية تتناثر في كل الإتجاهات . أجلسُ بين والديّ على مقاعد الإنتظار ، و الفجر المُتعَب يجفف جبينه الندي ، متجاهلاً القلق في عيني أبي ، و أسئلته المتكررة عمّا يمكن أن أكون قد نسيته ككل مرة أسافر فيها .

تلك الطفلة المتسلحة بصمتها المكابر تخرج اليوم من مسامي مبللة بالجنون ، تُخرِج عدتها من الورق و الألوان و تخربش على وجهي كقطة هائجة ، تعقد حاجبيّ و تُطبق شفتيّ كلما جئت لأهمس بسرٍ وداعي جميل في أذن أمي . هل كانت أذنها بحاجة إلى أسبرين صوتي حقاً ؟ أم أن البكاء الصامت في عينيها كان كفيلاً بتخدير حزنها الغجري لبعض الوقت ؟!

أربع سيدات يبدين في أوائل الثلاثينات من العمر ، يبدو من سمرة وجوههن الشاحبة الخالية من المساحيق و من الشالات المزركشة الملفوفة على رؤوسهن بعشوائية أنهن لا ينتمين إلى هذه المدينة . يقتربن منا ، يسلمن علينا ، و إحداهن تسأل أبي :

- ابنتك مسافرة للكويت ؟

يجيبها بهدوء و تردد :

- نعم .. و أنتن أيضاً ؟

- نحن مشرفات عليهم ، سنوصلهم إلى السكن .. حتى تطمئنوا تماماً

- ما شاء الله . حقاً ؟ أين بقية الطلبة إذن ؟

تجيبه الأخرى بحماس غريب :

-هناك 27 آخرين . سنكون هنا بانتظارهم ، و أنتم يمكنكم العودة للبيت إذا شئتم . نحن سنتكفل بالبنت !

- لا بأس ! نحن باقون هنا لبعض الوقت .

أبتسم لهن بلطف . و الطفلة بداخلي تتثاءب ، تتململ قليلاً ، ثم تلعن الوقت الذي جاء بهن إلى هنا . ألا تكبر ؟ ألا تموت ؟! خمسة عشر عاماً منذ كانوا يسألون والدي :

أهي بكماء ؟ هذه الدمية الصغيرة الحلوة لماذا هي ساكتة هكذا ؟!

كانت تتمنى أحياناً أن تجيب لكن ثمة ما يغري في الصّمت . كانت أصغر من أن تعي أنه يوفر الجهد على الحبال الصوتية . و أكثر جُبناً من أن تتجرأ على كسر الحاجز الزجاجي الذي يحميها من السقوط في حبائل الكلمات . حتى الكلمات التي تحب ، فهي جميلةٌ فقط خلف الزجاج الذي يمنحها كل ذاك البريق .

في المقعد المجاور أمهاتٌ يشبههن أمي ، لم أطل في أعينهن لأتيقن من أنها تلمع كنجوم في السّحر ، بالرغم من أن الفجر يكاد أن يطمسها . لكنني أدرك ذلك بحاستي السادسة التي انتقلت إليّ اليوم من أمي فجأة . هذه هي سُنة الوقت .. الوقت الفخ الأول و الأخير لكل ألاعيب القدر .

أمامي أطفال تترواح أعمارهم بين السادسة و العاشرة . يتكلمون بصمت ، يحركون أيديهم و يضحكون ، يطلقون من أفواههم صوتاً يشبه الصّفير . يبدون منسجمين مع بعضهم تماماً .. و بلا أية كلمات . هل هي مصادفةٌ أن تخرج تلك الطفلة الخرساء من جحرها اليوم لتلصق بوجهي و تجثم على رئتي ، ثم تصادف هؤلاء و هم يتحدثون بلغتها ، يضحكون مثلها بلا وزنٍ أو قافية ؟ و لعلّهم سيبكون أيضاً بالوحشية نفسها .. ليلاً حين يشيخ هذا الفجر الكسول ، و تنام الأمهات على سُرر اللهفة المُرصعة بالدّمع . لعلّهم سيقفون على أيّة نافذة و يرسمون بالدموع بيوتاً كريستالية ، و حناجر تشبه صناديق الموسيقى ، و خبزاً معجوناً بأيدي الأمهات الدافئة .

يد أمي لا تبرد ؛ لذا لا أتوغل فيها كثيراً ؛ كي لا أشعل آخر قطرة صبرٍ تضيء لي الأشهر العِجاف القادمة . أصافح اللافتات بعينين باردتين كبحيرتي جليد . أبحث عن البوابة (1) ، أسرع في المشي . أهرب من المشرفات و الأطفال الصّم و الزحام . أبحث عن مقعدٍ بعيد في أية زاوية ، لكن المكان مزدحم ، و الزوايا تحاصرها العيون .

يُفتح الباب ، ينطلق الجميع إلى الطائرة . الأطفال الصّم يقفزون و يضحكون . و لم أكن أجد شيئاً واحداً يبعث على التبسُّم .

ها هو مقعدي أخيراً ، في منتصف الطائرة تماماً ، فوق الجناحين بالضبط . أخبرت والدي أن يحجز لي المقعد الأقرب إلى الممر مثل كل رحلة أسافر فيها عن مسقط . مثلما أخبره دائماً أن يحجز لي المقعد الأقرب للنافذة في رحلات العودة إليها .

بجوار النافذة طفلٌ يبدو في العاشرة من عمره يرتدي دشداشة رمادية و على رأسه ( شماغ ) أرجواني ملفوف على طريقة أهل الشرقية ، المقعد الأوسط فارغٌ ، و الطفلة المتجهمة تسبقني إلى مقعدي . تلتصق بظهره لتظل تغرس سكاكينها في حنجرتي طوال الرحلة . ربّاه ! يبدو أنني حفظتُ كل نواياها المبيتة .

المشرفات يجلسن في المقعد الذي أمامي مباشرة . يلتفتن لتفقد الأطفال بين حين و آخر . الصّبي ذو الشماغ يكلم الفتاة الجالسة على المقعد المجاور الذي لا يفصلني عنه إلا الممر ، يكلمها بلغة الإشارة و هي تضحك . يد الصّبي تمتد إلى جهتي فجأة .. يفزعني ذلك ، و ألتفت إليه .. فيعتذر ، و يبدو أن تلك الحركة كانت جزءاً من قصة طويلة يحكيها للفتاة . كان ضجيجهما عالياً ، و كنت مثل الأحمق في زفة الطرشان . أشك في أنهما لم يتحدثا عني طوال تلك المدة و قد كنت العثرة الوحيدة بينهما .

أمد يدي إلى الحقيبة لأخرج كتابي . من الجيد أن أنشغل بشيءٍ ما بدلاً من محاولة تخمين ما يتحدثان فيه . أبدأ بالقراءة ، لكنني أرفع عيني عن الكتاب فجأة . تسألني إحدى المشرفات بلغة الإشارة و هي تشير إلى حاجبيها و شفتيها ثم تلوي يديها عوضاً عن قول ( لماذا ) ؟

أبتسم و أنا أرد عليها : عفواً ؟ لم أسمع ..

تفغر فاهها فجأة : آه ! أنتِ تتكلمين ! إذن أنتِ لستِ ..... عفواً سامحيني

تتسع ابتسامتي أكثر ..

- لا بأس أعرف .. ربما ظننتيني معهم

- لا .. كنتم جالسين بجوار أهل ذوي الاحتياجات الخاصة .. هكذا فقط .. اعذريني

تلتفت المشرفة الثانية إلى زميلتها دون كلمة و في عينيها نظرة استفهام . تهمس لها الأخرى بالقصة كاملة ، ابتسامتي تتسع أكثر فأكثر .. أرى ذراع الصبي و هي تتحرك في الهواء ، و أسمع صوتاً متقطعاً للفتاة و هي تضحك . الطفلة المتجهمة أخذت تضحك أيضاً ، بل تقهقه نشوة بانتصارها . تمر المضيفة من جواري فأستوقفها :

- - هل عندكم ورق ؟

- - عفواً ؟!

- - ورق أبيض .. دفتر صغير أو أي شيء ؟

- - حاضر .. سأجلبه لكِ

نظرات الفتاة تتنقل بين وجهي و ظهر الكتاب الذي أخفي به الورق الذي وصلني للتو . لا أتشارك خصوصية ما أكتب مع الأشخاص الذين أكتب عنهم .. بعد دقائق يعرض علي الصّبي علبة عصير أرفضها بأدب ، و بلغة الإشارة الركيكة التي لا أعرف عنها إلا ما أعرفه عن اللغة الأسبانية . أبتسم .. و ألقي برأسي على ظهر المقعد . و يعود الإثنان للحديث و الضحك بصوتٍ عال .

فاطمة إحسان اللواتي

16/9/2011


*نشرت في ملحق ( شرفات ) / جريدة عمان

الجمعة، 30 سبتمبر 2011

ثلاث نصوص / ملحق ( شرفات ) / جريدة عمان








http://main.omandaily.om/files​/pdf/2011/9/20/Shorufat_20-09-​11.pdf