الاثنين، 31 ديسمبر 2012

عبء اكتشاف

 
 
لا أخرجُ من أنايَ
لأرى حِيادك المائِي
مُنسكباً عَلى وَجهِي
بلا بللِ
أُطلُّ بعنقِ الوردة
مِن شُرفة الهواء
و سَاقي مغمورةٌ تمَاماً بالمَاء
بنصف جُرأةٍ
أتجرّع ثُمالة التجربةِ المُكلفة
و أطفو على زبدِها السّكري الهش
 بكلّ براءتي و بربريتِي
و كمن يعِي اكتِشافه الجديد
لِما سبق لهُ معرفتهُ منذ عصور
أنتقي قُصاصةً تليق بما سأكتُب
دون أن أعتني بانسِجام ألوانِها
مع أبجديّة التشابه العتيقة
أتحرّكُ على رُقعة الشطرنج ذاتِها
دُون الإنحياز للمُربعات البيضاء
أو السوداءِ عَلى وجهِ الخصوص
أغمضُ عينيّ
يلتفُ جسدِي حولَ عدميتهِ
تستلني أجنحتِي
مِن غِمد الأرضِ الرّخاميّة
تُذيبُ زُخرفها المُتواطئ مع الوجُود المُفتعَل
يقودُني حدسِي إلى لغة الفسيفساء
لأبدأها بلا ألفٍ و باء
أتهجأُ مُفردات عالمِي المُسرنم
بين الوُجود و العدَم
ألتقطُ ارتباك الرصَاصة الهائِجة
قبل رصدِ المَعنى الرصِين
لاختلاجَاتِ القلم
لأدسّ بصَماتي عَبر الثقوب المُضيئة
للثوب الذي ما يَزال مَشروعَ فِكرة
قابلة للطِلاءِ و الطي
و أشقّ جَيبهُ احتفاءً
بفداحَة الآتي المُحتمَل
لأنكَ الصّدق / العبْء / القدَر المَسبُوق بالإستعَاذة
 العارُ المُقدّر / المِعيارُ المُستحِيل
وجُودك حتميّ كالملائكَة و الشيَاطين
و لأنك اخترت أن تكون بينهُما
في مُنتصَف الشعرة التي قصَمت ظهر اليقين
لا اعتراف بكَ في دَائِرة الأعرَاف
و لأنك تكرهُ زاوية الإنكِسار
تنأى بلا عِوَجٍ
عن قطيعِ الأطيافِ المُنصبة في بَياض العدَم
تنسلخ عن صِبغتك الشرعِية / الشعبيّة
و ترفعُ شعَارك الجَديد
فراشةٌ هَاربةٌ مِن قبضة اليَد
خيرٌ من عشرةٍ في الشرنقة
***
فقد التعبير قدرتهُ عَلى خيانتِي
مذ أعتقتهُ لوجهِ الهذيَان
و عرفتُ أن مفتاحُ اللغة الدفينة في قعرِ النسيَان
خيرٌ من ألفِ بابٍ مواربٍ لأبجديةٍ مُستهلكة
***
تُعاودُ غاباتُ الدهشة اخضرارهَا
تتناسلُ أشجارهَا باعتياديةٍ مُطلقة
في الحَناجر الدافئة / الأليفة / المُتشابهَة
تتدلى أغصانهَا عَلى عنقِي
دون أن تُثير شهيّـتي للإلتفات
ما أجمل اعتيادِي لمَا هو كائن
مَا أغربَ استبعاد ما كان لهُ - حتماً - أن يَكون !
 
فاطمة إحسان اللواتي
نشرت في صحيفة (الراي) الكويتية / نوفمبر 2012.
 
 

زهرة هاربة من خريف القلب




 

لو أننا لم نختنق

بنسمة البرد الهاربة

من شتوية المنافي

لانتظرتكَ ربيعاً آخر

و لأشهرتَ راية الإستسلام

 لحُمّى الفصول المُتعاقبة

على جبين الأرض

المُنهكة من رتابَة الدوران

***

لو لَم تلسعني خيبتي فيك

لما عرفتُ يوماً

كيف يمكن لحلمٍ كأنت

بكل تفاصيلهِ المحفورة في الذاكرة

أن يمرّ صُدفة بجواري ،

و يُهديني الورد و الغد و القصيد ،

ثم يُكمل الطريق كالغريب

ريثما أفيق أنا من الدهشة !

***

لو لم ينزلق القمر

إلى البحيرة التي لمحتُ ظلك ذات ليلةٍ

و هو يختالُ على سطحهَا

بلا قلقٍ .. و لا رَهبة

لما عرفتُ كيف يكسو الجليد

أديم القلب رويداً رويداً

و كيف تستحيل سحابتي الخجلى في وطن عينيك

إلى غيمةٍ هاربةٍ إلى المنفى

***

لو لم تستأنف الشوارعُ حركة جنونها اليومي بعدك

 مثلما كانت قبلك

لما نسيتُ كيف يمكن لاسمكَ المألوف

أن يستوقفني دون الأسماء

و كيفُ يُضفي لفظهُ معنىً

 لكل تفاصِيل الأشياء

و كيف تتغير أبجدية اللافتات

المشيرة إلى حيث تكون

لتأخذ أشكال الجسور المُعلقة

لحدائق بابل و فراديس اليونان

***

لَو لم يُحدِق بي فقدك

من كُل الزوايا المُفخخة بالوحشة

لو لم تُزين لي مرآة الوهم

ذنب استحضارك

إلى ما تبقى من وعيي مذ عرفتك

لما أعلنتُ توبتي في خريف القلب

و جئتكَ أجتث أناملي من يديك

لأتساقط ورقاً أصفر

من على كتفيك

***

لو كَانت لِي أغصان تكسوها المَواسم ،

باقفرارها و زهوها

 لانتظرتك حَتى آخر الأبد ،

 لَكنني زهرَة برية هَاربة من جذورها

 اعتادَت أن تشق مِعراجها وَحيدة إلَى السّماء !

 
فاطمة إحسان اللواتي
نشرت في ملحق (شرفات) بجريدة عمان.

إدانة متهمة تنفي براءتها




 

أعِدك بالقصَائد التي لا تقصِدك

بالكَلمات التي لا تتعثر بجثث الذِكريات

كُلمَا تجوّلت وَحيدة فِي مقبرة الأمس الوَليد ،

 بباقاتِ الوَرد التي لا تعرفُ عنوانك

و بطاقاتِ المُعايدَة التي لا تحملُ توقيعِي كَدليل إدَانة

بالأسرَار الصّغيرة ، و الأسوار القصِيرة

يَومَ عجزتَ عَن تخطِيها

إيماناً بعُرف المستحيلْ !

***

أعِدك أن لا يَحترق دَمعِي

عَلى لَهيب شمعَةٍ في انتظارِك

بينما تمسَحُ الضبَاب عَن زجَاج نظارتِك البَارد

و تُغلق أزرار قمِيصك عَلى تمثالِك الثلجي

خوفاً من لَسعة دفءٍ مُباغِتة

***

أعِدك بارتجَاف أصَابعي

فِي حَضرة السطور المُتوازية

بأن أخرج من دَائرة الفصُول الناقِصة

و أضعُ اسمَك عنواناً للفصل الأخِير

فِي رواية الحُلم الضائِع

قرباناً للنسيَان

***

أعِدك بخفقان قلبكَ

المُعلق عَلى سَارية شِراعي

بدُوار البحر ، و لَوعة الصّبر

أن ألفظكَ مَع الزبَد و الهَذيان

عِند أول مَرسَى

***

أعِدك ببصمَاتك المُلوّنة

عَلى شِغاف قلبي

أن أدفن حُضوركَ الغائب

فِي حقائب سَفري الطويْل

فلا أستجدي مِنك الرّحيل

***

أعِدك بجثة الحَقيقة

التي وكأتُهَا إلى عكازتين

لتمشي عَلى قدَمين

أن لا أهَبها بعد اليَوم إلا البَيَاض ، و الكافور

و آخِر أنفاس وَردة حُب !

***

أعِدك بشقاوتِك

أن لا أعُود طِفلة تتوهُ في صَحرائِك

فِي الحِين الذي تُزهر فيه الغابات المَاطِرة

في النصف الثانِي مِن كوكَب البَهجة

***

أعِدك بجنونِي

أن لا أكّف عَن ارتكَاب جَرائِمي عَلى الوَرق

بشرط أن لا تتلوّث أنامِلي

بحِبركَ القابل للإشتعَال

فيتحوّل وهجُ الحُرية فيهَا إلى رمادِ حريق

***

أعِدك بما كَان و بما لن يكُون ،

بصَباحَاتٍ يأتِي بها الغيم

مِن حَيث لا يَشتهِي المَطر

و بالألوَان السّبعة لقوس قزح

فِي بطُون السّبعِ العِجاف

التِي لَم تُشرق عَليهَا شمسُك بعد !

***

أعِدكَ بمُناوراتِنا المُتبادَلة

بالكرّ و الفِرار

عَلى إنهَاءِ هذا الشوط الإفتراضِي

و أشهَدُ أن حُبكَ ضربةُ جَزاءٍ

صَفق لَها الجُمهُور بحَرارةٍ

كَأيّ هَدفٍ تسبقه نُبوءة الحَكَم

و لأنني أكرهُ الفرَح المُحنط فِي قوالِبه الجَاهزة

كَسرتُ عَارضة قلبي

لِتضلّ تسديدتكَ طريقهَا إليه !

 

فاطمة إحسان اللواتي
نشرت في ملحق (شرفات) بجريدة عمان.