السبت، 9 مارس 2013

هذيان لحظة التجلي


 

ربمَا لا تهفو أعمَاقك للخلاص

لكن لمَ أسمعهَا

 تسْتنجد / تعوي / تَصرُخ

في وَجهِي

بلِسان عمْقي الصّامِت ؟

***

أرَى في انطفائِك الموسِميّ

نداءَ استغاثةٍ عَارمٍ

لجسدِ الحَياةِ،

 لهَيكلِها الأخرَق

 الذي يُمعن فِي مُراوغة الفصُول

في مَدينتنا،

يَستثنيهَا من شرعيّة التّجلّي

***

أرَى فيكَ

ما أودُّ أن أرَى

لأنكَ الضبَاب،

 نِصف السّراب، و النافِذة

و لأن أصَابعِي

تُحيلُ كل مَا تقع عَليه

إلى أبجَدية.

***

لن أسْألك

حِين يلتمعُ نجمٌ مَا في عَينيك

عن عَدد سِلال الجُنون

التي تلزمُك لحَصادِه

سَأزفك إليهِ

عَلى خدّي

حَيثُ آلاف النجُوم الصّغِيرة

تهطلُ لهفةً للصّعود.

***

خسرتُ نِصفَ اللُعبة

مذ أفلت لِجام قلبِي من يَدي

و عجَزت عن الخوضِ الارتجالي

في وَثنية الأقدَار

عيناي على المِحراب،

و عيناك قُربانٌ عظيم.

***

جبينك شاطئٌ أزرق

أُسرّحُ فيه الخريف،

أطلقُ فيه هَشاشتي، و ضرَاوَتي

أشقُ فيه بذيول الحُوريّات

جُرح النزوحِ إلى الحَقيقة

***

أجري بمُوازاتِك

حيث سِواي، و المَسافة، و اللاجَدوى

ثمّة روحٌ مُلحّة

تُصفّر في النصْف الفارغ مِن الفنجَان

و ارتعاشةُ كفٍ

تحارُ للمَرة الأخيرَة

على كتفِك:

أن التفتْ إليّ،

أو أدِر لي ظهرَك؛

لأمشي عبْر الطّريق إليْك

أو أمشِي عَبركَ إلى الطّريق

***

 لَم يعُد قلبي غيمة

بعدمَا اجتاز عَتبتك العَارية

و غرق في ضبَاب الاحتمَالات

التي لا طاقة لي عَلى رَصدِها

بينما أمررُ عُنقي

على حَد مِقصَلتك

بنشوةِ صوفيٍّ

لَحظة التجلّي.

 

 
فاطمة إحسان اللواتي

نص منشور في ملحق (شرفات) بجريدة عمان 5/3/2013

الخميس، 24 يناير 2013

كواليــــــس

 
(1)
في منتصف الخشبة
وحيدةً كانت تبدو
كقمرٍ في طوق نجاة
بين كل الغارقين
الذين لم يلحَظ أحدهم
أنها كانت محض دميةٍ مُعلقة
بخيط العنكبوت
***
(2)
كان وجهها ريشة
من ذيل طاووس
تُنافس الهواء
على اجتذاب الأنفاس
ثم تتابع سَيرها على الأرض
بقدميّ مالك الحزين
***
(3)
ذات ليلة
حين ضحِك المرمرُ عَلى خدّها
و برَق اللجينُ في عينيها
فقدت قدرتها على التمييز
بين قمر الأعالي
و حَلقة المَعدن الفضية
حول سَاق الصبيّة
التي سبقتها بخطوة
***
(4)
أخذت تنقضُ غزل الجذور الشائكة
بين الوردة و السّكين
فطالبتها الأرضُ
التي لم تحظَ بصكِّ ملكيتها
بـ ديّة البُرعم المَيت
***
(5)
بين الستارة و النافذة
كانت أصَابعها
تُحاكي في الفراغ
رقصَة الفراشة
بينما تتعثر موسِيقى القلب
بحفيفِ السّدرة
التي نبتت مَحل قدميها
***
(6)
روَت لعُصفورِ النافذة
الفصول الناقصَة من سَرد الغياب
سقتهُ ندى الفراغات الصغيرة
في شقوق الغيمة
قبل أن تُمطر
فكان العُصفور حُضورها الحُر
في غيابها المُتماهي مع البَعيد الأبعد
***
(7)
تُرخي حبل "الضرورة الحتمية"
عَن عنقها لوهلةٍ
تنصِت للمَرة الأولى
 إلى تنهيدةٍ
تجر حرفها المُوسيقي الأخير
إلى قاع السُلّم
حيث الأنا الغارقة
في ثُمالة الروح
تُراقصُ السّماء
بكل ما أوتيت
من ظمأٍ و بُكاء
***
(8)
لم تكن الجذور و الحِبال تدرك معنى
أن تكون طِفلة المشيئة المُدللة
أن تكون الهِبة و الهَباء
أن لا تجسِر على كسْر سقفِ المسرح
الذي كانت فيه الدمية المعلقة
بخيط العنكبوت
***
(9)
في نهَاية المسرحيّة
لم يكن خيط العنكبوت يُبصر
كيف تُصافحهُم
و يمرّ جُرحها النازف
على جلودهم
دون أن يُلوثها بنقطة دمٍ
و كيف تعَانقهم
دُون أن ينفض ذراعَاها الشاسِعان
ذرة غبارٍ واحدة من على أكتافِهم
و كيف يغيب صوتها المبحوح
بين ضجة أكفهّم المُصفقة لها
و صليل أصفادهم المُتكالبة عليها.
 
فاطمة إحسان اللواتي
*منشورة في صحيفة الفلق الإلكترونية 29/12/2012

الاثنين، 31 ديسمبر 2012

إقامة افتراضية




مُذ التصقت رمَالُ الصّحراءِ بجُرحِي

و عَجنت جدّتي حِناءَها

لِتُبلسِم بهَا عَنائي

كَان قدَري أن أتقلّب عَلى جَمر الرَحِيل

حدّ النضجِ .. لا الاحتراق

و كَان لقلبي قدَره

 في أن يظل حَقيبة سَفر

تتأرجحُ بين مَنفى و مَنفى

بَينمَا تمتدُّ إليه يدي

 لِتتلمسَ فُتات الفرَح

و هِو يَنسلُّ مِنهُ عَلى مَهلٍ

ليتركَ في الطريقِ الطويلِ

للعَودة أمَلاً طويلاً

***

مُذ حلّت أمِي ضفائِري

و زودتنِي بقواريرِ العِطر

لأنسَى رَائحةُ بخورهَا

و أنا أستنشُق دُخان الجَمر

و أستعيذُ بالذكرَى مِن النِسيانِ

فلا أنسَى

***

فِي "المَنفى - الوطَن" يُصر الهَوى

عَلى إعادة تشكيل أرصِفة الذاكِرة

لتعانِق مَطبّات الحَنين

 تُشاكِسني الشوارُع التِي أصرُّ عَلى إنكارهَا ،

 فتنكِرني

و تُوصِلني

 إلى النهَايات المَسدُودة

لأُعيد ارتيادَها

بحثاً عَن المَنجى !

***

فِي صَمتِ الأزمنة الوَشيكة

تُدوّي المَعزوفاتُ الكَلاسِيكية فِي رأسِي

 كَصافِراتِ إنذارٍ

يشقُ لهَا الغِناءُ الدفِين فِي صَدري

سَاقيَة البُكاَء

أتساقطُ شلالاً مِن شجنٍ

عَلى سقفِ الوَداعِ

لألتمس السّكينة معَ حُطام القوارِب

العَائِمة عَلى وجهِ المَدينة

صَبيحَة ليل الطوفان

 ***

فِي عَتمةِ النِهَايَات

تُحرقَ الشُموعُ الملونة فتيلَ الوَقتِ

بلا اكتراثٍ

لأيّ نارٍ تُضرمُ فِي هِشيم الذكريات

***

بدوّيٌ ترحَالي

و حَضارتي جَناحٌ من الصّفيح

يُشرّح أفئدة الغيم بالأسئلة

  المُتناسلة بين شقوق الأسمنتِ

كطفلٍ يُجربُّ مَا أوتِي مِن شغفٍ

ليطِير بخيط بالُون

ثم  يبكِي لانقطاعِه

كما لَو كَان سِكة السّفر الوَحيدة

بَين عَينيهِ و الرؤيَا

كطفلٍ لا يَعرف عَن ملكةِ الجنيّات

اغتِرابهَا رغم ازدهَار الأمنيَات

حِيث لا يطالُها مَطر التّحية

لِتحيا هِي .. مثلما تُحيي

في حناجر الصّغار الأغنيَات

***

أعلُو ، أزبدُ

فِي نِطاق النشوَة الحَيرى

كما يرقصُ الغجر

عَلى أطرافِ هاويَة الرّحِيل

و يُصفق طائرٌ بجناحَيهِ

مُغمضَ العَينينِ عَن أوكَار الحَنين

***

فِي مطارَات يتواطأ فِيهَا الوداع

فِي صفقةٍ غير مُعلنةٍ مع النسيَان

أتأمّلُ حقيبة سَفري

إذ تتحوّل إلى خيمَة مَنصوبة

عَلى رَاحة يَدِك

و يلتفّ قلبي حَول أناملك

كخيطٍ وفيٍّ لطائرةٍ ورقية !

 

فاطمة إحسان اللواتي
نشرت في صحيفة (الراي) الكويتية بتاريخ 10/7/2012.